- خطأ
07 أبريل 2009
السؤال: يا شيخ –أحسن الله إليك- يوجد أناس كثيرون يعملون في مؤسسات الحكومة بل حتى في القطاع الخاصّ، كالمستشفيات والجامعات والمصانع ونحو ذلك، يقومون بأخذ أشياء من أماكن العمل كالأطعمة، والأدوية، والفُرُش، والملابس، والمعدّات، وغير ذلك، يأخذونها بدون إذن المسؤولين، وحجّتهم أننا حُرِمْنَا من حقوقنا، والرواتب التي نأخذها لا تكفي لمعيشتنا، فنحن نأخذ ما نستعين به على هذه المعيشة الصعبة!! فما حكم هذا العمل يا شيخ؟ مع العلم أنه يوجد أناس آخرون لا يعملون في تلك المؤسسات ويأخذون من تلك الأشياء، مثل من يدخل إلى دكان للسّلع المنوّعة فيأخذ منها خِفية ولا يَدْفَع الثمن، بحجّة أننا مظلومون ونحن نأخذ حقوقنا بهذه الطريقة سواء من الحكومة أَمْ من الخَوَاصّ؟.
الجواب: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. وبعد:
فإن هذا العمل المذكور في السؤال هو من الخيانة، والغلول، والسرقة، والاختلاس، ومن الفساد في الأرض، وهي أعمال حرّمها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء:29]، وقال تعالى {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود:85]، وقال تعالى {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205]، قال تعالى {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64]، وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ} [يونس:81]، وقال تعالى {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]، وقال تعالى {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد:25]، وقال تعالى {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال:58]، وقال تعالى {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء: 107]، وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]. وقال تعالى {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران:161]، ومعنى الآية: أنّ من أخَذَ شيئا بغلول وخيانة يأت به يوم القيامة على ظهره، فمن أخذ فِراشًا، أو محرّكَ سيارة، أو طعامًا، أو معدّات، أو حيوانا، أوغير ذلك، يأت الخائن يوم القيامة وهو حامل ذلك الشيء على ظَهره يُعَذَّبُ بحمله، ويفضحه اللهُ أَمَامَ الناس في ذلك الموقف الرّهيب.
وعن أبي هريرة ا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المكر، والخديعة، والخيانة في النار» [رواه أبو نعيم، وغيره. وهو حديث حسن كما في صحيح الجامع (6726)]. وعن بريدة ا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من استعملناه على عَمَل فرزقناه رِزقا فما أخذ بعد لك فهو غُلول» [رواه أبو داود (2943) وهو حديث صحيح]. ومعنى (فرزقناه رزقا) أي أعطيناه راتبًا من مال على عمله. وعن عَدِيّ بن عميرة ا قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«من استعملناه منكم على عَمَل، فكتمنا مِخْيَطًا فما فوقه، كان غُلُولًا يأتي به يوم القيامة» [رواه مسلم (1833)]، ومعنى مِخيَطًا: الإبرة. وعن أبي حميد الساعدي ا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«... وَاللَّهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَأَعْرِفَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَقِيَ اللَّهَ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ » [رواه البخاري (1500)، ومسلم (1832)]. فلْيتق الله هؤلاء الناس، وليؤدوا أعمالهم بأمانة، ولا يخونوا ولو كانوا مظلومين، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من خانك» [رواه أبو داود (3534)، وغيره. وهو حديث صحيح]. وليعلموا أنه بأخذهم الأشياء بدون حق لا يضرّون المسؤولين خاصّة الحكومة، وإنما يضرّون أنفسهم و أصحاب الحاجة، فإذا كان موظف ما أخذَ أدوية من المستشفى، أو طعاما من المطعم الجامعي، فإن الذي يتضرر هم المرضى والطلاب، أما المسؤولون فأموالهم مُوَفّرة، وامتيازاتهم في ازدياد غالبا، وفي هذا الأخذ فساد كبير، يضرّ البلاد والعباد، حتى إننا نشاهد كثيرا من الطرق غير مُصَلَّحة إصلاحا جيّدًا بسبب الخيانة في الفواتير والسلع، فيكون ذلك من أسباب حوادث السير المؤلمة، وهذا مثال واحد لميادين كثيرة.
فإن قال قائل: إن الظلم واقع، فكيف الخلاص منه إذا كان أَخْدُ الأشياء بتلك الطريقة حراما؟.
الجواب:
أولا: الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، لأن هذا الظلم واقع بسبب الذنوب في الغالب، قال تعالى {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]، ومعنى الآية: أن الله يُسلّط الظالمين على الظالمين بسبب ذنوبهم، وحتى لو كان هناك صالحون في البلاد، فما دام المفسدون أكثر فإنه تقع الفِتن، قال الله تعالى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال:25].
ثانيا: على المسلم أن يكون غنيَّ النفس، قانعا بما رزقه الله من حلال كافٍ له، ولو كان قليلا وهذا هو الغني الحقيقي، وهذا خيرٌ مما كَثُرَ وألهى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما قلَّ وكفَى، خيرٌ ممَّا كَثُرَ وألهى» [رواه أبو يعلى، وغيره. وهو حديث صحيح كما في صحيح الجامع الصغير (5653)]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«قد أفلَح من أسلمَ، ورُزِق كَفافًا، وقَنَّعَه الله بما آتاه» [رواه مسلم (1054)]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغِنَى عن كثرةِ العَرَض، ولكنّ الغِنَى غِنَى النفس» [رواه البخاري (6446)، ومسلم (1051)]، ومعنى العَرَض: متاع الدّنيا.
ثالثا: التضرّع إلى الله تعالى بإيصال الحقوق إلينا، فعن ابن مسعود ا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنها ستكون بعدي أَثَرَةٌ وأمور تنكرونها»قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال:«تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» [رواه البخاري (3603)، ومسلم (1843)] ومعنى أثرة: استئثار الأمراء والمسؤولين بالخيرات لأنفسهم دون الأمّة.
رابعا: من كان لا يأخذ أجرة عمله كاملة لظلم المسؤول عنه، فلْيُطالبه بها بطريقة حكيمة لا تؤدي إلى الفِتن، والبلبلة، والفوضى.
خامسا: إن كانت الأجرة كاملة، ولكنها لا تكفي بسبب غلاء المعيشة، فليست مُسَوِّغًا للغلول والخيانة، وعلى الشخص المحتاج أن يعمل عملًا آخر، خارج الوقت الرسمي وليسَ فيه، أمَّا فيه فهو من الخِيانة كذلك.
سادسا: على من أخذ أشياء بغير حق، أن يتوب إلى الله تعالى توبة نصوحا، وأن يَرُدّ ما أخذ إلى أصحابها إن كانوا أحياء، وإلا فإلى ورثتهم، وإذا كان المال مالا عامًّا فعليه أن يَرُدّه إلى المصنع أو المستشفى أو المطعم ونحو ذلك، فإن لم يستطع فليتصدّق به على الفقراء، وهذه الصدقة لا يأخذ عليها أجرًا، وإنما هو يتخلّص من الإثم. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لا يقبل الله صلاةً بغير طُهور، ولا صدقةً من غلول» [رواه مسلم (224)، وغيره]. فمن ركب قطارًا، أو حافلة مثلا ولم يدفع ثمن الرّحلة، فليفعل ما سبق سواء كان ذلك مع الحكومة أَمْ مع الخواص، ولا يكفي لتوبته أن يذهب إلى الحج أو العمرة مَثَلًا، بل لابدّ من رد الحقوق إلى أصحابها. إنه بالخطوات السابقة يغيّر الله تعالى الأحوال إلى أحسن حال، فإن لم ير المسلم تغييرا عامًّا في المجتمع، فإنه إذا ابتعد عن الخيانة، هو على الأقل يرتاح نفسيًا، ويبارك الله له في ماله، وصحّته، وأولاده.
سابعا: عَلَى المسؤولين العامّين والخواصّ أن يتَقوا اللهَ تعالى، ويُعطوا الحقوق للناس، فإن الله سائلهم عما استرعاهم، وما كان لا يقدرون إعطاءه للناس لصعوبته فليعتذروا إليهم حتى يقتنعوا ويرتاحوا ويَسْلموا من الأفكار السيّئة.
قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله سائل كُلَّ راعٍ عَما استرعاه، أَحَفِظَ ذلك أَمْ ضَيّعه؟ حتى يسأل الرّجُلَ عن أهل بيته» [رواه النسائي
، وغيره. وهو حديث حسن كما في صحيح الجامع الصغير (1774)]. وقال صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أَمْرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، إِلَّا أَتَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَكَّهُ بِرُّهُ أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » [ رواه أحمد (22300)، وهو حديث حسن].
أسأل الله تعالى أن يصلح أحوالنا أجمعين.









