- خطأ
03 سبتمبر 2011
موقف المسلم من الـمُنْتَقدين له
سؤال : شاب في 25 من عُمره، يعيش مع أسرته المكونة من الوالدين والإخوة والأخوات، وهم ينتقدونه باستمرار منذ أن كان صغيراً، فأي عمل يقوم به مهما كان متقنا، فإنهم يُشعرونه بأنه ناقص، وهذه المعاملة أحدثت قلقاً في نفسه واضطراباً ، فكيف يتصرف معهم؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلىآله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أولاً: نصيحة لأهل ذلك الشاب:
1. أن يتقوا الله تعالى، وأن يعلم كل واحد منهم أنه غير كامل، وأن له أخطاء وعيوبا ، فيبدأ كل واحد منهم بإصلاح عيوبه ، فطوبى لمن شغلته عيوبه عن عيوب الناس .
2. التعليم لا يكون عن طريق النقد دائما، وإنما الأصل في التعليم أن يكون بالتلقين للخير، والتحذير من الشر، والتنبيه على النقص بطريقة لا تجرح مشاعر المنصوح، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب مواجهة الإنسان بالنقد المباشر ، بل يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، أو يقول: أَمَا كان لفلان ليفعل كذا وكذا.
3. عليكم أن تقوموا بالثناء الصادق لولدكم والتشجيع له على صوابه، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، حتى إنه قد لَقّب كثيراً من أصحابه رضي الله عنهم بألقاب حسنة مثل: الصِّدِّيق، الحواري ، أمين هذه الأمة، أسد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، سيف الله المسلول، إلخ.... لأن نفس الإنسان تحتاج إلى غذاء من نوع آخر وهو الثناء الصادق، والإشعار بالأهمية بالكلمات الرقيقة الطيبة واللطيفة لكن بدون مبالغة. قال رسول الله صلى الله عليه : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، متفق عليه. فهل يحب كل واحد منكم أيها الأهل أن يُنتقد دائماً ولا يُشجَّع؟ .
4. عليكم أن تُشعروا ولدكم بأنه عنصر مهم في العائلة، فإنه حينئذ يفتح قلبه لكم، ويسمع كلامكم ، وأما النقد اللاذع فإنه يدفعه إلى العناد، والشعور بالنقص، لأن الإنسان من طبعه لا يحب الاعتراف بخطأه.
5. عند توجيه النصح المباشر للولد استعملوا الكلمات المناسبة التي لا يشعر بها بالانتقاص والازدراء والسخرية ، مثل أن تقولوا: نظن أن لنا رأيا آخر يخالف رأيك في هذه المسألة وربّما نكون مخطئين، ولا نزكّي أنفسناونكون لك شاكرين إن صحّحت فكرتنا، وفي أثناء خطابكم لولدكم استعملوا كلمات الدعاء مثل: يا ولدي بارك الله فيك، حفظك الله، أرشدك الله إلى الخير، وفقك الله، أنت إنسان فاهم....فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ، ولا ينزع من شيء إلا شانه". رواه مسلم.
6. إذا أخطأ الولد في حق شخص فنقول له: هل ترضى أن يعاملك الناس بمثل ذلك؟ ثم قولوا له: على كل حال ما منّا إلاَّ وله أخطاء، ولم نولد متعلمين،وإذا أخطأتَ فسارع إلَى التوبة والإصلاح ،ومع ذلك فعلى كل إنسان أن يجتهد أن لا يخطئ خاصّة مع الناس حتى لا يعتذر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياك وكلَّ أمرٍ يُعتذر منه..."رواه الضّياء، وحسّنه الألباني في صحيح الجامع الصغير (2671).
7. أعطوا لولدكم فرصة لإنقاذ ماء وجهه إن أخطأ، خاصّة إذا كان كبيراً، فيقال له مثلا: لقدأديت هذا العمل وأنت مشكور ، والآن سنحوّلك إلى عمل تفيدنا فيه أكثر.
ثانيا ،أما النصيحة للولد المنتقَد:
1. قُم بعملك كما ينبغي بعد أن تكون مُلِمّاً به، وقد استشرت أهل الخبرة والتجربة.
2. كن حازما في أعمالك، ولا تتساهل في الوقوع في الخطأ حتى لا تعتذر.
3. لا تتوقع أن يوافقك كل الناس على أعمالك الحسنة، فهناك من ينتقد لمجرد النقد، وهناك من يحسد، وهناك من لا يعرف كيف يوجّه النقد.
4. انظر ما تراه صواباً وافعله ولا تبالي بما يقوله الناس، فإرضاء الناس غاية لا تدرك، ولا تسمح بالنقد الهدّام بالتأثير عليك. أما النقد الصحيح فاقبله واشكر صاحبه، فإن وجّهه بطريقة خطأ فاشكره وصحّح له الطريقة بذكاء وحكمة،قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: انظر ما يصلح قلبك فالزمه ، ولا تبالي بكلام الناس. وعدم المبالاة لا يعني منك الجفاء والعنف على الناس خاصة والديك والأقرباء ، وإنما أن لا يؤثر كلامهم الخطأ على مسارك الصحيح.
5. اعلم أن الإنسان كلما صار مُهماً ومفيداً كلما كثُر حاسدوه ومنتقدوه ، لأن الناس لا ينتقدون المغمورين، بل المشهورين. وعليك أن تعلم أن الانتقاد في غير محله هو في الحقيقة ثناء عليك غير صريح.
6. أن تُحسن إلى والديك وأقربائك بالقول والفعل، خاصة بالمال والهدايا، والمشاركة في مصاريف البيت، فلطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ، قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى). [النساء 36 ] وقال تعالى: (وقولوا للناس حسناً ). [البقرة 83 ] ، وقال تعالى : (وآت ذَا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً). [الإسراء 26، 27 ] .
7. عليك أن تقابل إساءتهم إليك بالإحسان فسينصرك الله عليهم، قال الله تعالى: (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم). [فصلت 34، 35 ] . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أَصِلُهُم ويَقْطَعُوني، وأُحسِنُ إليهم ويسيئون إليَّ، وأَحْلُمُ عليهم ويجهلون عليَّ، فقال:"لئن كنت كما قلت فكأنما تُسِفُّهم الملَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم، ما دُمتَ على ذلك". رواه مسلم
ومعنى الملَ: الرماد الحار، ومعناه: أن الإثم يلحقهم كما يلحق الأذى من يأكل الرماد الحارّ، ومعنى ظهير: مُعين، أي أن الله يعينك عليهم وينصرك.
كتبه أبو سعيد بلعيد بن أحمد الجزائري
18 شعبان 1432 هـ
19 جويلية 2011










