- خطأ
29 يناير 2012
أيها المسلمون/ اتقوا الله واعلموا أن المال فتنة واختبار لكم، فتنة في تحصيله، و فتنة في إنفاقه، ولقد انقسم الناس فيه إلى قسمين: قِسم اتقى الله تعالى، وأجمل في الطلب، اكتسب المالَ من الحلال، وأنْفَقه في الواجبات والمستحبات و المباحات، فكان المالُ بركةً عليه، وغنيمةً له ولورثته. والقسم الثاني: لم يتق الله في المال، ولم يُجمل في الطلب، فصار يكتسب المال من أي طريق أتيح له، من حلال أو حرام، من عدل أو ظُلم. و هذا القسم الثاني هم كثير من الناس في هذا الزمان، لعبَ الشيطان بهم، فدفعهم إلى المعصية، وجرَّأهم على المعاملات المحرّمة السيئة بالمكر والخديعة. قال الله تعالى (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون) [الأنبياء:1]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«لَيَأتيَنَّ على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أَمِن حلال أمْ مِن حرام» رواه البخاري (2083).
إن من الآفات التي انتشرت في هذا الزمان في كثير من الأوطان، آفة الرِّشوة التي تجرّأ عليها الصغير والكبير، واستحلّها المجهول والشَّهير، مع أنها معاملة محرّمة، وكَسْبٌ خبيث وهي من كبائر الذنوب، قال الله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: 29]، وقال تعالى ) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ( [ البقرة 188]، وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي» [رواه أبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن صحيح]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:« لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي في الحكم» [رواه الترمذي وحسّنه]، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«يا كَعْبَ بنَ عُجْرَة، إنه لن يدخل الجنّة لحمٌ من سُحت» [رواه الدارمي، وغيره. وهو حديث صحيح] فالراشي هو مُعطي الرِّشوة، والمرتشي هو آخذها.
إن هذه الآفة التي هي الرشوة معناها دفع المال في مقابل قضاء مصلحة يجب على المسؤول عنها قضاؤها بدون دفع المال له، ويشتد التحريم إن كان الغرض من دفع هذا المال إبطال حق، أو إحقاق باطل أو ظُلمًا لأحد، وسواء دُفع هذا المال لمسؤول كبير أو مَنْ دونه من المُوظفين أو التجار أو غيرهم.
إن الرشوة تكون في القضاء فيُعطَى الحكم من لا يستحق، ويُمنعه من يستحق، وتكون الرشوة في الوظائف والمسابقة فيها، فيُقدَّم من أجل الرشوة من لا يستحق النجاح أو تُعطى له الأسئلة قبل الامتحان، وتكون الرشوة في تنفيذ المشاريع، وفي التحقيقات الجنائية وغيرها، فيتساهل المحققون المرتشون في التحقيق ويُخفون الحقيقة، وأغرب من هذا أن تدخل الرشوة في التعليم، فينجح من لا يستحق النجاح، ويتساهل المراقبون في مراقبة الطلاب من أجلها، فيتقدم الطالب الضعيف، ويؤخر المؤهّل وفي ذلك حصول الكوارث والحوادث في المجتمع، والشرور على البلاد والعباد.
إن المعاصي إذا ظهرت فإنها تسببت فرقةً في المجتمع، وانقطاعًا لأواصر المودّة بين أفراده، وتُسَبِّبَ الشحناء والعداوة وعدم التعاون على الخير، ومن أقبح آثار الرشوة وغيرها من المعاصي في المجتمعات ظهور الرذائل، واختفاءُ الفضائل، وفُشو الظلم بسبب التعدّي على الحقوق بالرشوة أوالسرقة والخيانة والغش في المعاملات وشهادة الزور ونحو ذلك من أنواع الظلم والعدوان خاصّة على الضعفاء والمحتاجين والفقراء، وفي الرشوة فساد أخلاق من يأخذها من قاض وموظف وغيرهما، وضَعْفُ إيمانه، وتَعَرُّضُه لغضب الله وشدّة عقوبته في الدنيا والآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:« ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا، مع ما يدّخره له في الآخرة : من البغيِ، وقطيعة الرحم» [رواه أحمد، وغيره وهو حديث صحيح]. كما أنّ أكل الحرام سبَب لحجب الدعاء، وعدمِ الإجابة. إذا تبيّن لنا بوضوح حكم الرِّشوة والراشي والمرتشي وهي اللعن والطرد من رحمة الله، وغير ذلك من مفاسد الرشوة على الفرد والمجتمع، أفلا يكون في ذلك رادعٌ عنها لكل مؤمن يخشى الله تعالى ويخاف من عقابِه، ولكلِّ مسلم يترك الحرامَ حفاظا على دينه وأمانتِه، وإبعادًا لمجتمعِه من السَّحب وفسادهِ، ومنعًا له من تفكّكه وهلاكِه؟. وإن مما يُعِينُ على ترك الرِّشوة والكسب المحرّم –بعد توفيق الله- اتباع الخطوات الآتية:
1- القناعة بالحلال ولو كان قليلا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله» [رواه الطبراني، وهو حديث حسن].
2- تحسين وضعية الموظف، والعامل حتى لا يطمع في أموال الناس.
3-استحضار عظمة الله تعالى، والخوف منه.
4- تَذَكُّرُ فضائل الحلال، والخوف من نتائج الحرام.
5- وعظ المرتشين ونصحهم، وتخويفهم بالله تعالى.
6- التعاون مع الجهات المعنية لمعاقبة المرتشين.
7- المحافظة على الصلاة وإقامتها، قال الله تعالى (وأقمِ الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) [العنكبوت45]، والدعاء «اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك».
فيا عباد الله حافظوا على دينكم وأمانتكم، وابتعدوا عنِ كلّ ما يغضب ربكم، واجتنبوا الحرام الذي يدمّركم ويدمّر بلادكم.










